"عين سحرية" واحدا من الأعمال التليفزيونية الرمضانية التي راهن عليها الجمهور وسط موسم غزير عدديا وضعيف فنيا، فقد كانت حلقاته الأولى جاذبة مشوقة لصراع من نوع خاص تحت شعار تطبيق العدالة، عصام عمر "عادل" وباسم سمرة "زكي غانم" يقودان تحالفا يقتص من الفاسدين بأسلوب "العين السحرية" التي يتخصص فيها المهندس عادل من خلال عمله في تركيبات الكاميرات فدوره هو التنفيذ او "الذراع"، وزكي هو المحامي المحنك الذي لديه الجيوب السحرية لرجال الأعمال ودوره هو "العقل"، ليتحول الثنائي إلى العقل والذراع في عمليات تقوم فيها كاميرات المراقبة بدور البطولة، ويصبح البطلان ضميرا ثائرا ضد الفساد.
هذا العمل الدرامي، الذي أخرجه السدير مسعود وكتبه هشام هلال يجمع بين التشويق والعمق النفسي، ليس مجرد قصة فساد وانتقام، بل هو رحلة فلسفية في أعماق الإنسانية، حيث يتصارع الخير مع الشر في ساحة لا تعرف الرحمة.
يروي المسلسل قصة تحالف غير متوقع بين محامٍ مخضرم سجن ظلما لمدة عشرين عاما وحرم من زوجته وابنته وشطب من النقابة، ومهندس شبكات المراقبة عاش اضطهادا مجتمعيا بسبب سجن أبيه في قضية اختلاس ووفاته مسجونا واحتياج مادي لإعالته والدته المريضة "نوال" وشقيقه الأصغر "حسن" المصاب بهوس السرقة، شاب يحمل في قلبه جرحاً عميقاً، يقرران أن يأخذا العدالة بأيديهما بعد أن خذلتهما المنظومة، هكذا يتحولان إلى صيادي فساد، يكشفان الستار عن الفاسدين ويسلمونهم للشرطة، لكن الطريق مليء بالتضحيات والمواقف الدرامية التي تكشف، رويداً رويداً.
يبدأ المسلسل بتمهيد للأزمة النفسية التي يعانيها الشاب عادل بعد إهانته من قبل أهل خطيبته الذين رفضوه بسبب فضيحة والده، بإيقاع يشبه نبض قلب متوتر، يليها تهديد بالطرد من السكن والمواقف التي يضعها فيه شقيقه المراهق ومرض والدته، ويجعله تركيب كاميرات في منزل أحد زبائنه متورطا بشكل أو بآخر في مقتل زوج يخون زوجته، وحينما ينتبه لتلك الأزمة يحاول تصحيح فعلته فيتعرف على الرجل الغامض زكي غانم، المحامي المخضرم الذي يؤديه باسم سمرة بأداء يليق بنضجه وخبرته، زكي ليس مجرد محامٍ عادٍ؛ إذ يرى في "عادل" ضالته فيبدأ في نسج خيوطه حوله بذكاء ليصبح ذراعه اليمنى في تطبيق العدالة المجتمعية على حد قوله، زكي رجل ناضج حفرت الخبرة والظلم ندوبهما الحياتية على وجهه وانفعالاته، فقد خسر كل شيء بسبب تصديه للفساد ووقوعه فريسة مؤامرة، استطاع بهيبته زعزعة أمان عادل وارباكه.
هذا التحالف، الذي يبدو في البداية كصدفة، يتطور إلى شراكة أسطورية تشبه قصص الفرسان القدامى. زكي يجلب خبرته القانونية وحنكته في قراءة ما بين السطور، بينما يقدم عادل تقنياته في الكاميرات "السحرية" – تلك العيون الخفية التي ترصد الظلام دون أن تُكتشف. معاً، يبدآن رحلة الكشف: يراقبان رجال أعمال فاسدين، يسجلان صفقات سرية، ويكشفان شبكة فساد تمتد من المكاتب الفاخرة إلى الأزقة المظلمة. لكن المخرج السدير مسعود لا يكتفي بالتشويق السطحي؛ هو يحرص على تكثيف الدراما، فيصنع مواقف قد تبدو مبالغة في البداية – مثل مطاردات ساذجة تتسبب في فقد ١٢ مليون جنيه، أو عدم تعرف الابنة الطبيبة على والدها رغم أن ذكريات الطفولة تحفر في الذاكرة كالنقش في الحجر، أو تسجيل عادل اعتراف المحامي المخضرم الأسطورة داخل مكتبه في غياب غير مقبول للخصوصية المتبعة، أو مواجهات نفسية تجعل الشخصيات تكشف أسرارها في لحظات الضعف – لكنها تتكشف أهميتها لاحقاً، كحجارة الدومينو التي تسقط تباعاً لتكشف الصورة الكاملة.
الصراع الأبدي بين الخير والشر هو الجوهر الحقيقي لـ"عين سحرية". الشر يتجسد في شخصية شهاب، المحامي الفاسد الذي يؤديه محمد علاء ببرود يقشعر له الجسد، شهاب ليس شريراً تقليدياً؛ هو ذئب في ثياب حمل، يستخدم القانون كسلاح ليحمي مصالحه، ويبتسم ابتسامة خبيثة ويحافظ على اتزانه في أضعف المواقف، في إحدى المشاهد البارزة في المحكمة يواجه شهاب إدانته في قضية أدوية جديدة يتم تجريبها على الأبرياء بعد توقيعهم على مسئوليتهم الكاملة عن عاقبة تناولها مستغلا حاجتهم المادية والصحية، تحرص الكاميرا على إبراز ابتسامته وسخريته من المحامي الخصم زكي في مشهد مستفز لنكتشف بعدها أن زكي لا زال مشطوبا من عضوية نقابة المحامين ولا يحق له مزاولة المهنة وبالتالي فالمرافعة القوية لا حيثية لها.
وهنا تكمن نقاط ضعف المسلسل خاصة في النصف الأخير من الحلقات لتبلغ ذروتها في الحلقة الأخيرة، فقد أصبحت الصدف غير المنطقية عاملا في غياب الشغف لدى المشاهد كالصدفة التي جعلت عادل يتم تعيينه في مكتب أكبر محامي بكل سهولة قبل إعلانه رسميا عن حاجته لمهندس تقني، وانجراف حسن الشقيق الأصغر لعادل في الإجابة على أسئلة شهاب ليعرف عدوه بكل سهولة، وانقلاب سكرتيرته الخاصة في ذات اللحظة التي يفتش فيها الثنائي عادل وزكي عن دليل إدانة على شهاب، إلى جانب غياب المنطقية في التصدي لشخصية مرعبة كشهاب كما رسمته الأحداث في الحلقات الأولى، فلم نجد أي من الأطراف المطلوبة غادر منزله رغم أن اللعب صار على المكشوف، كيف للمشاهد أن يتقبل ذلك الأمان الذي يعيشه أبطاله في ظل تهديد وجودي ، وما الداعي للعقدة النفسية التي يعانيها شهاب لتبرير تسلقه وتملقه وطمعه، تلك الخصال وحدها كافية لجعله أخطبوطا يحسب له الحساب.
يُعد اختيار أماكن التصوير واحداً من أبرز إنجازات "عين سحرية"، حيث حافظ المخرج على ديكورات كلاسيكية ممزوجة بالحداثة، كأنها جسر بين الماضي الفاسد والحاضر الثائر. المكاتب العتيقة بجدرانها الخشبية الداكنة، والشقق الشعبية ذات الأثاث البسيط، والشوارع الضيقة في قلب القاهرة، كلها أماكن تتنفس الحياة، الأضواء غير المباشرة تخلق ظلالاً تعبر عن الازدواجية الداخلية للشخصيات: ضوء خافت على وجه زكي يبرز ندوب ماضيه، بينما إضاءة قاسية على شهاب تكشف قناعه الزائف، زوايا التصوير كانت محل اهتمام كبير، فالكادرات الطويلة تتبع خطوات البطلين في مطارداتهم، تعطي إحساساً بالعمق المكاني والزماني،
هذه التقنيات ليست مجرد أدوات فنية؛ هي لغة بصرية تحكي القصة، تجعل المشاهد يشعر بالتوتر كأنه جزء من العملية، السدير مسعود يستخدم هذه العناصر ليحول المسلسل إلى لوحة حية، حيث يصبح الفساد مرئياً كالسم في الدم.
عنصر التمثيل هو التاج في إكليل "عين سحرية". باسم سمرة، في دور زكي غانم، يقدم أداءً يتجاوز نجاحات أعماله السابقة؛ عيناه تحملان تاريخاً كاملاً من الألم والصمود، وصوته يرتجف في لحظات الانهيار العاطفي، هذا هو سمرة، يجسد الرجل الذي يحمل العالم على كتفيه، عصام عمر، كعادل، يضيف الطاقة الشابة؛ حركاته السريعة، ابتسامته الساخرة، يجعلانه الشريك المثالي الذي يذكرنا بأن الشباب قادر على تغيير العالم، محمد علاء في دور شهاب هو الشر المطلق، أداء يجمع بين الهدوء الزائف والانفجار الداخلي؛ سما إبراهيم، كأم عادل "نوال"، تقدم السهل الممتنع: أم قوية تُخفي ضعفها خلف الابتسامات، ودموعها في مشهد فقدان ابنها الأكبر بعد أن طردته حين تطاول على والده المتوفى تلامس القلوب. حتى الشخصيات الثانوية، مثل شقيق عادل الأصغر وعدد كبير من النجوم، متميزون، اختيارهم مناسب تماماً ليضيفوا طبقات للقصة. هؤلاء الممثلون ليسوا مجرد فنانين؛ هم أرواح تتنفس الشخصيات، يجعلون الدراما حقيقة نابضة.
مع تقدم الأحداث، يتكشف المسلسل عن رسالة عميقة: التصدي للفساد يتطلب تضحيات، والضحايا ليسوا مجرد إحصاءات، في ذروة الدراما، يفقد عادل والدته ثم يكتشف أنها كانت ضحية دواء أحضره لها، مما يثير تساؤلات حول ما إذا كانت العدالة تستحق الثمن الذي يدفع، المخرج يحرص على تكثيف هذه المواقف في حين أطال في مشاهد فقد الأم والعزاء وتوابع الفقد، وأيضا جلسات زكي مع طبيبته النفسية التي لا يقوى على الاعتراف لها بأنها ابنته، بعضها قد يضايق المشاهد بمبالغتها لكنها تكشف أهميتها رويداً، كحلقات في سلسلة حديدية تربط الماضي بالمستقبل.
الأسلوب التسويقي الجاذب للمسلسل يكمن في توازنه بين الترفيه والتأمل؛ يجذب الجماهير بالتشويق، ثم يربطها بالقيم، في نهاية كل حلقة، يتركنا السدير مسعود مع لقطة كاميرا تُغلق ببطء، كعين تراقب، تذكيراً بأن العدالة لا تنام.

علي عبد الحفيظ يكتب: الأزهر الشريف ووأد الفتنة
تامر عادل يكتب: كأس العالم من عاصمة مصر الجديدة
فى الاحتفال بيوم إفريقيا التمسك بالتنمية المستدامة







